ابن ميثم البحراني
282
شرح نهج البلاغة
البعيدة وترك مفاخر الدنيا عنده ونزع التكبّر حتّى كأنّه لم يوضع إلَّا لخلع التكبّر من الأعناق مع ما في جزئيّات مناسكه ومباشرته من المشاقّ المتكلَّفة مع كونه كما ذكر أحجارا لا تضرّ ولا تنفع ولا تسمع ولا تبصر لا جرم كان الاستعداد به لقبول آثار اللَّه وإفاضة رحمته أتمّ من أكثر وجوه الاستعدادات لسائر العبادات فكان الثواب عليه والرحمة النازلة بسببه أتمّ وأجزل . وقوله : ولو أراد اللَّه . إلى قوله : ضعف البلاء . صغرى قياس ضمير استثنائي حذف استثنائه . وهى نتيجة قياس آخر من متّصلتين تقدير صغراهما : أنّه لو أراد أن يضع بيته الحرام بين هذه المواضع الحسنة المبهجة لفعل ، وتقدير الكبرى : ولو فعل لكان يجب منه تصغير قدر الجزاء على قدر ضعف البلاء ، وتقدير استثناء هذه المتّصلة : لكنّه لا يجب منه ذلك ولا يجوز لأنّ مراد العناية الإلهيّة مضاعفة الثواب وبلوغ كلّ نفس غاية كمالها وذلك لا يتمّ إلَّا بكمال الاستعداد بالشدائد والميثاق فلذلك لم يرد أن يجعل بيته الحرام في تلك المواضع لاستلزامها ضعف البلاء . وكنّى بدنوّ الثمار عن سهولة تناولها وحضورها ، وبالتفاف البنى عن تقارب بعضه من بعض . والبرّة : واحدة البرّ وقد يقام مقام اسم الجنس فيقال : هذه برّة حسنة ، ولا يراد بها الحبّة الواحدة واعتبار السمرة لها لأنّ وصفها بعد الخضرة السمرة . وقوله : ولو كان الأساس . إلى قوله : من الناس . في تقدير قياس ضمير آخر استثنائي كالَّذي قبله ، وتلخيصه أنّه تعالى لو جعل الأساس المحمول عليها بيته الحرام بين هذه الأحجار المنيرة المضيئة لخفّف ذلك مسارعة الشكّ في الصدور . وأراد شكّ الخلق في صدق الأنبياء وعدم صدقهم وشكَّهم في أنّ البيت بيتا للَّه أوليس . فإنّه على تقدير كون الأنبياء عليهم السّلام بالحال المشهورة من الفقر والذلّ وكون البيت الحرام من هذه الأحجار المعتادة يقوى الشكّ في كونهم رسلا من عند اللَّه وفي كون البيت بيتا له ، وعلى تقدير كونهم في الملك والعزّ وكون البيت من الأحجار النفيسة المذكورة ينتفي ذلك الشكّ .